الجاحظ

95

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

أرميكم بطرفي : وأنتم تسللون لواذا ، وتنهزمون سراعا . ثم يوم الزاوية ، كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم ، وبراءة اللّه منكم ، ونكوص وليكم عنكم ، إذ ولّيتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها ، النوازع إلى اعطانها ، لا يسأل المرء عن أخيه ولا يلوي الشيخ على بنيه ، حين عضكم السلاح ، ووقصتكم الرماح . ثم يوم دير الجماجم ، وما يوم دير الجماجم ؟ ! به كانت المعارك والملاحم ، بضرب يزيل الهام عن مقيلة ، ويذهل الخليل عن خليله . يا أهل العراق ، الكفرات بعد الفجرات ، والغدرات بعد الخترات ، والنزوة بعد النزوات ! إن بعثتكم إلى ثغوركم غللتم وخنتم وإن امنتم أرجفتم وإن خفتم نافقتم . لا تذكرون حسنة ، ولا تشكرون نعمة . هل استخفكم ناكث ، أو استغواكم غاو ، أو استفزّكم عاص ، أو استنصركم ظالم ، واستعضدكم خالع إلا تبعتموه وآيتموه ، ونصرتموه ورجبتموه . يا أهل العراق ، هل شغب شاغب ، أو نعب ناعب ، أو زفر زافر إلا كنتم أتباعه وأنصاره . يا أهل العراق ، ألم تنهكم المواعظ ؟ ألم تزجركم الوقائع ؟ ! ثم التفت إلى أهل الشام فقال : يا أهل الشام إنما أنا لكم كالظليم الرامح « 1 » عن فراخه ، ينفي عنها المدر ، ويباعد عنها الحجر ، ويكنها من المطر ، ويحميها من الضباب ، ويحرسها من الذئاب . يا أهل الشام ، أنتم الجنّة والرداء ، العدة والحذاء . وقال رجل لحذيفة : أخشى أن أكون منافقا . فقال : لو كنت منافقا لم تخش ذلك . وقال آخر : اعلم أن المصيبة واحدة إن صبرت ، وإن لم تصبر فهما مصيبتان . ومصيبتك بأجرك ، أعظم من مصيبتك بميتك .

--> ( 1 ) الظليم : ذكر النعام . الرامح : المدافع .